السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
327
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فأجيب بأن تصرف هذه العلل والأسباب في هذه الموجودات المعلولة توسط في التصرف ، وبعبارة أخرى شفاعة في موارد المسببات بإذن اللّه سبحانه ، فإنما هي شفعاء ، والشفاعة - وهي بنحو توسط في ايصال الخير أو دفع الشر ، وتصرف ما من الشفيع في امر المستشفع - انما تنافي السلطان الإلهي والتصرف الربوبي المطلق إذا لم ينته إلى اذن اللّه ، ولم يعتمد على مشية اللّه تعالى بل كانت مستقلة غير مرتبطة وما من سبب من الأسباب ولا علة من العلل الا وتأثيره باللّه ونحو تصرفه بإذن اللّه ، فتأثيره وتصرفه نحو من تأثيره وتصرفه تعالى فلا سلطان في الوجود الا سلطانه ولا قيومية الا قيوميته المطلقة عزّ سلطانه . وعلى ما بيناه فالشفاعة هي التوسط المطلق في عالم الأسباب والوسائط أعم من الشفاعة التكوينية وهي توسط الأسباب في التكوين ، والشفاعة التشريعية أعني التوسط في مرحلة المجازاة التي تثبتها الكتاب والسنة في يوم القيامة على ما تقدم البحث عنها في قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ( البقرة / 48 ) ، وذلك ان الجملة أعني قوله تعالى : من ذا الذي يشفع عنده ، مسبوقة بحديث القيومية والملك المطلق الشاملين للتكوين والتشريع معا ، بل المتماسين بالتكوين ظاهرا فلا موجب لتقييدهما بالقيومية والسلطنة التشريعيتين حتى يستقيم تذييل الكلام بالشفاعة المخصوصة بيوم القيامة . فمساق هذه الآية في عموم الشفاعة مساق قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ( يونس / 3 ) ، وقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ ( السجدة / 4 ) ، وقد عرفت في البحث عن الشفاعة ان حدها كما ينطبق على الشفاعة التشريعية كذلك ينطبق على السببية التكوينية ، فكل سبب من الأسباب يشفع عند اللّه لمسببه بالتمسك بصفات فضله وجوده ورحمته لإيصال نعمة الوجود إلى مسببه ، فنظام السببية بعينه ينطبق على نظام